من الهجرة إلى الهوية.

تحول الإسلام من قضية إدارية إلى أزمة وجودية في فرنسا.

                                                                                                                                                                                حبيب مونسي

 إعادة صياغة السؤال.

في العقود الأخيرة، شهدت فرنسا تحولاً جذرياً في طريقة تعاملها مع الإسلام والمسلمين. ما بدأ كقضية تقنية تتعلق باستيعاب الأجانب وإدماج المهاجرين، تطور ليصبح معركة سياسية وثقافية حول تعريف الهوية الفرنسية نفسها. لم تعد الأسئلة محصورة في: كيف ندمج هؤلاء العمال الأجانب؟ بل تصاعدت لتصبح: من يحق له أن يكون فرنسياً؟ وما العناصر التي تعرّف الأمة الفرنسية حقاً؟

هذا الانتقال ليس نتاجاً عفوياً لتطورات طبيعية، بل هو نتاج هندسة سياسية منظمة استغلت الفروقات الاجتماعية لإثارة أزمة وجودية فلسفية عميقة. فهم هذا التحول يتطلب منا أن نعبر أربع مستويات متداخلة: المستوى السياسي الذي أعاد صياغة الخطاب، والمستوى الاجتماعي الذي أنتج الفروقات المرئية، والمستوى الديني الذي شكّل الجذور العميقة للصراع، والمستوى الفلسفي الذي طرح الأسئلة الوجودية الكبرى.

1.     الأساس السياسي، إعادة صياغة الخطاب وإدارة الأزمات:

لا يمكن فهم الانتقال من الهجرة إلى الهوية دون النظر إلى الحسابات السياسية التي قادت هذا التحول. فرنسا المعاصرة لم تواجه الإسلام كـ "مشكلة" جديدة، بل اختارت أن تحوّل قضية معروفة (الهجرة واندماج الأجانب) إلى قضية غير مألوفة من قبل (الإسلام كتهديد حضاري).

أ‌.        الفرق الحاسم مع الماضي:

على عكس الصراع التاريخي بين فرنسا والكنيسة الكاثوليكية، الذي امتد لقرن كامل (منذ قانون الفصل بين الكنيسة والدولة 1905)، لم يكن هناك نزاع موجود مسبقاً بين فرنسا والإسلام يمكن استحضاره بسهولة. الإسلام في فرنسا كان وجوداً صامتاً يقتصر على الممارسات الخاصة والتجمعات الضيقة. لكن السياسيين والنخب الفرنسية لم يكتفوا بهذا الصمت؛ بل اختاروا بوعي أن يحولوا هذا الصمت إلى ضجيج، أي أن يحولوا الإسلام من قضية غير سياسية إلى قضية سياسية محورية.

 آليات إعادة الصياغة السياسية

ب‌.    كانت العملية تتم عبر ثلاث خطوات متسلسلة:

أولاً: تحويل الخطاب من الاقتصاد إلى الثقافة. في السبعينيات والثمانينيات، كانت النقاشات حول المهاجرين تدور حول الوظائف والأجور والسكن والاندماج الاقتصادي والاجتماعي. لكن اعتباراً من التسعينيات، بدأ الخطاب السياسي ينزاح من "كيف نضمن الحقوق الاقتصادية للمهاجرين؟" إلى "كيف نحمي الهوية الثقافية الفرنسية من الغزو الإسلامي؟" هذا الانزياح لم يكن عرضياً؛ بل كان استراتيجياً، لأن النقاشات الثقافية حول الهوية أكثر قدرة على توحيد الناخبين من النقاشات الاقتصادية المعقدة.

ثانياً: بناء خطاب "الخطر الإسلامي". دخلت الوسائط الإعلامية والنخب السياسية في حملة منظمة لتحويل الإسلام من ديانة إلى إديولوجيا تهديدية. ظهر مفهوم "الإسلاموفوبيا الجديدة" و"الخطر الإسلامي" في عناوين الصحف والمجلات. لم تكن الهجمات موجهة ضد الديانة الإسلامية بحد ذاتها، بل ضد صورة مبنية من الإسلام كقوة سياسية معادية للقيم الفرنسية. والمفارقة أن هذا الخطاب لا يستند إلى براهين تاريخية صلبة، بل إلى مخاوف مستقبلية مفترضة وقراءات سياسية متحيزة.

ثالثاً: جعل "العلمانية" حصناً ضد "الإسلام". أعاد الخطاب السياسي الفرنسي اكتشاف العلمانية (laïcité) لكن كسلاح دفاعي وليس كمبدأ محايد. بينما كانت العلمانية الفرنسية الكلاسيكية تهدف إلى فصل الدين عن الدولة بمعاملة جميع الأديان بحيادية، اكتسبت العلمانية الحديثة بُعداً مسيحياً مخفياً يهدف إلى إجبار الإسلام على التوافق مع نموذج ثقافي فرنسي مسيحي الجذور. هذا يكشف عن نفاق فلسفي عميق سنعود إليه لاحقاً.

2.     البناء الاجتماعي: من الصمت إلى المرئية

إذا كانت السياسة توفر الإطار الخطابي للصراع، فإن الحقائق الاجتماعية هي التي أعطت هذا الخطاب مادة واقعية يمكن الإمساك بها. التحول الاجتماعي في فرنسا لم يكن تحولاً مفاجئاً، بل كان عملية تدريجية أنتجت فروقات اجتماعية وثقافية مرئية أصبح من الممكن استثمارها سياسياً.

 المراحل الاجتماعية للتحول

أ‌.        المرحلة الأولى (1960-1980): الصمت والغياب السياسي:

خلال هذه المرحلة، كان المهاجرون المسلمون موجودين اقتصادياً وغائبين سياسياً. كانوا عمال، وليس "مسلمين" في التصور الاجتماعي الفرنسي. كانت الممارسات الدينية محصورة في الفضاء الخاص: الصلاة في المنازل والبيوت، المناسبات الدينية الحميمية، التعليم الديني غير الرسمي. النص يوضح أن هذا الجيل قبِل بهذا الوضع الصامت، لأنهم كانوا يرون أنفسهم كمهاجرين مؤقتين قادمين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنية العودة. لم تكن لديهم رغبة في المطالبة بحقوق دينية مرئية أو في إعادة تعريف الهوية الفرنسية ليشملوا أنفسهم ضمنها.

ب‌.    المرحلة الثانية (1980- 1990): ظهور جيل ثان بهوية دينية علنية

الفارق الحاسم جاء مع ظهور جيل ثان: أبناء المهاجرين، الذين وُلدوا في فرنسا أو نشأوا فيها. هؤلاء لم يكونوا مهاجرين مؤقتين، بل مواطنين يريدون حقوقاً متساوية في المجتمع الذي ولدوا فيه. بدأ هذا الجيل يطرح أسئلة حول الحقوق والمساواة والكرامة، وبدأ يعلن عن هويته الدينية بصورة علنية. الحجاب، المحلات الحلال، جماعات دينية منظمة، مساجد بدأت تظهر في الشوارع — كل هذا أصبح مرئياً وملموساً بطريقة لم تكن من قبل.

هنا يحدث الانقلاب الاجتماعي: الدين الذي كان خاصاً بدأ يصبح عاماً؛ والهوية التي كانت مخفية بدأت تصبح معلنة. هذا لم يكن تهديداً بالمعنى الموضوعي (لم تحدث جرائم منظمة، لم تحدث انتهاكات للقانون)، لكنه كان تهديداً رمزياً لفكرة معينة عن ما يجب أن تكون عليه فرنسا.

3.     الممارسات الدينية كعلامات فارقة

يشير النص إلى أن الممارسات الدينية المحددة أصبحت مثاراً للنقاش السياسي والاجتماعي:

- الحجاب: لم يكن الحجاب "مشكلة" طالما ظل في البيوت أو في الأحياء المعينة، لكن عندما دخل المدارس الحكومية، أصبح تحدياً لفكرة العلمانية الفرنسية. أصبح السؤال: هل يحق للفتاة المسلمة أن تحتفظ بهويتها الدينية داخل المؤسسة الجمهورية؟ أم أن المؤسسة الجمهورية تطلب منها أن تخلع هويتها الدينية على الباب؟

- المحلات الحلال والمساجد: أصبحت هذه العلامات المادية علامات فارقة قوية في المدينة الفرنسية، توشي بـ وجود جماعة دينية منظمة وليس مجرد أفراد متفرقين.

- الجماعات الدينية المنظمة: ظهور تنظيمات إسلامية، جماعات دراسة دينية، نشاطات إسلامية في الأحياء -كل هذا أعطى شكلاً مؤسسياً للوجود الإسلامي، بدلاً من كونه مجرد مشاعر شخصية.

هذا الانتقال من الخاص إلى العام، من المختفي إلى المرئي، من الفردي إلى الجماعي - هو الذي وفّر المادة الاجتماعية التي استطاعت السياسة أن تستثمرها وتحوّلها إلى أزمة.

أ‌.        العمق الديني: الصراع بين نموذجين للدين والعلمانية

لا يمكن فهم كيف تحول الإسلام إلى قضية هوية دون الغوص في الجذور الدينية العميقة للصراع. المشكلة ليست بين الإسلام والعلمانية بالمعنى النظري، بل بين نموذجين مختلفين من العلاقة بين الدين والحياة العامة.

ب‌.    الميراث المسيحي المنسي

فرنسا الحديثة بنت نفسها على أساس علماني يرفض الدين من الحياة العامة. لكن هذه "العلمانية" الفرنسية لم تكن محايدة تجاه جميع الأديان؛ بل كانت مسيحية الطابع في الحقيقة العميقة. النقاش التاريخي حول العلمانية (خصوصاً بعد 1905) كان نقاشاً بين مسيحيين علمانيين ومسيحيين متدينين، وليس نقاشاً بين العلمانية والدين 

بالمطلق. وعندما انتصرت العلمانية الفرنسية على الكاثوليكية، لم تحذف الميراث المسيحي من الثقافة الفرنسية.